محمد بن جرير الطبري
126
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فكأنه قال : اعبدوا ربكم الخالقكم ، والخالق الذين من قبلكم ، الجاعل لكم الأَرض فراشا . يعني بذلك أنه جعل لكم الأَرض مهادا وموطئا وقرارا يستقر عليها . يذكر ربنا جل ذكره بذلك من قيله زيادة نعمه عندهم وآلائه لديهم ، ليذكروا أياديه عندهم فينيبوا إلى طاعته ، تعطفا منه بذلك عليهم ، ورأفة منه بهم ، ورحمة لهم ، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم ، ولكن ليتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال ، حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً فهي فراش يمشي عليها ، وهي المهاد والقرار . وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً قال : مهادا لكم . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً أي مهادا . القول في تأويل قوله تعالى : وَالسَّماءَ بِناءً قال أبو جعفر : وإنما سميت السماء سماء لعلوها على الأَرض وعلى سكانها من خلقه ، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماء . ولذلك قيل لسقف البيت سماؤه ، لأَنه فوقه مرتفع عليه ولذلك قيل : سما فلان لفلان : إذا أشرف له وقصد نحوه عاليا عليه ، كما قال الفرزدق : سمونا لنجران اليماني وأهله * ونجران أرض لم تديث مقاوله وكما قال نابغة بني ذبيان : سمت لي نظرة فرأيت منها * تحيت الخدر واضعة القرام يريد بذلك : أشرفت لي نظرة وبدت ، فكذلك السماء : سميت للأَرض سماء لعلوها وإشرافها عليها . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : وَالسَّماءَ بِناءً ، فبناء السماء على الأَرض كهيئة القبة ، وهي سقف على الأَرض . وحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة في قول الله وَالسَّماءَ بِناءً قال : جعل السماء سقفا لك . وإنما ذكر السماء والأَرض جل ثناؤه فيما عدد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم ، لأَن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم ، وبهما قوام دنياهم ، فأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم ، هو المستحق عليهم الطاعة والمستوجب منهم الشكر والعبادة دون الأَصنام والأَوثان التي لا تضر ولا تنفع . القول في تأويل قول الله جل ثناءه : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ يعني بذلك أنه أنزل من السماء مطرا ، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأَرض من زرعهم وغرسهم ثمرات رزقا لهم غذاء وأقواتا . فنبههم بذلك على قدرته وسلطانه ، وذكرهم به آلاءه لديهم ، وأنه هو الذي خلقهم وهو الذي يرزقهم ويكفلهم دون من جعلوه له ندا وعدلا من الأَوثان والآلهة ، ثم زجرهم عن أن يجعلوا له ندا مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم ، وأنه لا ند له ولا عدل ، ولا لهم نافع ولا ضار ولا خالق ولا رازق سواه . القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً قال أبو جعفر : والأَنداد ، جمع ند ، والند : العدل